محمد بن وليد الطرطوشي

468

سراج الملوك

وقالوا : تأخير الأجل حصن المحارب . وقيل لبعضهم : في أي جنّة تحبّ أن تلقى عدوك ؟ [ قال : في أجل متأخّر . وقيل لآخر : في أي سلاح تحب أن تلقى عدوّك ] « 1 » قال : بإدبار دولته وانقضاء مدّته . واعلم : ان الشّجاعة لمن كانت له الدولة ، وإذا انقضت المدة لم تغن كثرة العدد . وقال علي رضي الله عنه : إذا انقضت المدة كانت الهلكة في الحيلة . واعلم أن كل كريهة ترفع ، أو مكرمة تكتسب ، لا تتحقق إلا بالشجاعة ، ألا ترى أنّك إذا هممت أن تمنح شيئا من مالك خار طبعك ، ووهن قلبك ، وعجزت نفسك فشححت به ، وإذا حقّقت عزمك ، وقوّيت نفسك ، وقهرت ذلك العجز ، أخرجت المال المضنون به ، وعلى قدر قوة القلب وضعفه ، تكون طيبة النفس بإخراجه ، أو كراهية النفس لإخراجه مع إخراجه ، وعلى هذا النمط جميع الفضائل ، مهما لم يقارنها قوة نفس لم تتحقق ، وكانت مخدوعة . وروي أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « الشجاعة والجبن غرائز ، يضعها الله تعالى فيمن يشاء من عباده ، فالجبان يفرّ عن أمّه وأبيه ، والشجاع يقاتل عمن لا يئوب به إلى رحله » « 2 » . فبقوة القلب : يصاب امتثال الأوامر ، والانتهاء عن الزّواجر ، وبقوة القلب : يصاب اكتساب الفضائل ، وبقوة القلب : ينتهى عن اتّباع الهوى ، والتضمّخ « 3 » بالرذائل . قال الشاعر : جمع الشّجاعة والخضوع لربّه * ما أحسن المحراب في المحراب « 4 » وبقوة القلب : يصبر الجليس على إيذاء الجليس ، وجفاء الصاحب ، وبقوة القلب : يكتم الأسرار ، ويدفع العار ، وبقوة القلب : يقتحم الأمور الصعاب ،

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من ( ط ) . ( 2 ) رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب بلفظ : « الشجاعة والجبن غرائز في الناس ، تلقى الرجل يقاتل عمن لا يعرف ، وتلقى الرجل يفر عن أبيه » ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء بلفظ : « الجبن والجرأة غرائز يضعها الله حيث يشاء » كشف الخفاء - العجلوني رقم ( 1065 ) ، ومعنى يئوب به : يرجع به . ( 3 ) نقول ضمّخ جسده بكذا : أي لطخه . ( 4 ) المحراب الأولى : صاحب الحرب الشجاع . المحراب الثانية : محراب المسجد وهو مقام الإمام فيه ، والمعنى ما أحسن أن يجمع المرء بين الشجاعة والعبادة .